B23res
08-04-2008, 05:15 PM
http://aa4l.net/mlffat/files/21278.gif
ســـــالم.. وبـــلاد العباقـرة.
"ما أقسى أن يتألم الذين نحبهم، ونحن عاجزون عن تقديم ما يخفف آلامهم" ردّد الولد سالم هذه العبارة، ودموع حزن تغادر عينيه.. تمشَّى مبتعداً عن بيت أهله، حيث يرقد والده مريضاً يئن من الألم.. لقد حضر أكثر من طبيب لمعالجته.. قدّموا النصح والأدوية ولا جدوى.. اجتمع إلى جواره الأهل والأقارب.. وما يزيد الأمر سوءاً بكاؤهم عند سريره.. أبو سالم يتألم، وسالم يتمنّى لو يقاسم والده آلامه ومرضه.. إنما الأمنيات أمر، وتحقيقها أمر آخر.. بين خواطره وأمنياته غاب سالم في شرود.. وما أفاق من شروده إلا عند مشارف الغابة المجاورة.. كان الوقت غروب الشمس.. والغابة المكونة من عشرات أشجار السنديان المتماسكة بدأت تخلع ثوب النهار لترتدي حلة الليل السوداء..
فجأة بدا لسالم أمر غريب مدهش.. رأى إبهاراً نورانياً عند مشارف الغابة.. خاف.. أراد أن يصدر لساقيه أمر الهروب بعيداً. إلا أنه فوجئ بمخلوقين غريبي الشكل يقفان أمامه، لكل منهما قامة قصيرة لا تتجاوز المتر تقريباً. ورأس كل منهما خالٍ من الشعر تماماً، وملامحهما تكاد تتطابق.. ويغطي جسد كل منهما ثوب أخضر.. لم يعرف سالم الخوف كما عرفه حينها. حتى إنه بدا عاجزاً عن الحراك والبكاء والكلام. صدر عن أحدهما ما يشبه الكلام، إنما بسرعة كبيرة جداً، لم يتسنّ لسالم معها فهم أي كلمة فلم يرد.. عندها أدرك أحد المخلوقين السر، وبسرعة كبيرة غاب ثم عاد، ومعه جهاز صغير جداً.. وعندما تكلم من جديد كان حديثه مفهوماً واضحاً..
خاطبه الكائن الغريب: عرّفنا على نفسك..
قال سالم بخوف شديد: من أنتم أولاً؟ وماذا تفعلون هنا؟
ردّ الكائن الغريب: اسمي ت 8، ورفيقي ت9.. نحن من كوكب العباقرة.. كان أجدادنا على الأرض منذ زمن بعيد، واستطاعوا بفضل عملهم أن يصلوا إلى الكوكب الذي نعيش عليه الآن.. وهو كوكب غني جداً بكل شيء.. بثرواته، بطبيعته باستقراره.. أجدادنا كانوا أصحاب حضارة متفوقة على الأرض وعندما تعرفوا ميزات كوكبنا الجديد، وآلمهم ما يحدث على الأرض من كوارث وحروب ودمار، بنوا سفينة فضاء وانطلقوا بما يحتاجونه من معدات.. وكان عددهم قليلاً.. عشرة رجال وعشر نساء.. أقاموا مختبراتهم على كوكبنا البعيد، وبفضل علمهم أصبحنا على ذلك الكوكب أصحاب حضارة تفوق تلك التي على الأرض مرات ومرات.. علماً أن كوكب العباقرة ما كان مسكوناً قبلهم.. بالمناسبة، لن أكمل قبل أن تخبرني لماذا تبدو مضطرباً؟ من أنت؟
-رد سالم: اسمي سالم- عمري أربعة عشر عاماً.. أقيم مع أهلي في ذلك البيت الحجري القديم، ويحزنني مرض أبي.. إنه يتألم.. يتألم ولم نستطيع تقديم ما يخفف ألمه.. أرجوكما هل بإمكاننا مساعدته؟ قلتما حضارتكم تفوق مرات ومرات حضارة أهل الأرض.. لا شك أن بإمكانهم مساعدته.. حاولا من أجلي أرجوكما..
قاطعه ت8: لقد استطعنا هناك التخلص من الأمراض.. لا آلام ولا علل على كوكبنا.
تابع ت9: بالتأكيد نستطيع مساعدة والدك.. إنما لنا شروط.
قال سالم بلهفة: أوافق أياً كانت الشروط.. المهم أن يتخلص من آلامه ويعود سليماً معافى.. وتعود البسمة إلى وجهه الحبيب.. أرجوكما، إنني مستعد للتضحية بعمري من أجله..
تبادل ت8 وت9 النظرات، ثم نزعا الجهاز الصغير الذي يجعل حديثهما واضحاً وأخذا يتخاطبان بسرعة هائلة.. وقف سالم حائراً. وبعد قليل أعيد تشغيل الجهاز.
قال ت8: إن أعدنا إلى والدك عافيته وستمضي معنا إلى كوكبنا.. وتقيم في ضيافتنا ثلاثة أشهر.. ماذا قلت؟
قال سالم: ماذا؟ أمضي معكم ثلاثة أشهر؟ ولكن ماذا ينفعكم وجودي؟!
رد ت9: قلت إنك مستعد للتضحية.. أم أنك نسيت آلام والدك..
وبلهفة كبيرة قال سالم: أمضي معكم حيث تشاؤون.. لكن أرى أبي أولاً سعيداً بشفائه..
قال ت8: لك ما تريد.. أخبرنا الآن ما هي الآلام التي يعاني منها والدك ثم امض إليه وأحضره إلى طرف الغابة.. ولا يأتي معه سواك.. وبعد لحظات يعاد والدك إلى البيت وقد تخلص من آلامه إلى الأبد.. هيا، تحدث عن مرضه وألمه ثم انطلق وعُد به فوراً. لا تتأخر.. وإياك أن تخبر أحداً بوجودنا.. قص سالم على مسامعهما قصة مرض أبيه، والآلام التي يعاني منها وما قال الأطباء حول حالته. وبعدها انطلق بسرعة قصوى نحو بيته.. وحين وصل اقترب من والده.. ورجاه أن يقبل بالمضي معه إلى طرف الغابة بمفرده.. وحين بكى سالم، أحس والده برغبة في تحقيق ما يريد.. فطلب من الجميع أن يتركاهما يمضيان وحدهما، مدعياً أنه يريد أن يتمشى قليلاً برفقة ولده سالم..
سار أبو سالم متكئاً على ذراع ولده.. وحين وصلا إلى طرف الغابة، أجلسه سالم على صخرة.. وبسرعة خاطفة تقدم منه ت8، حتى أن أبا سالم لم ينتبه لوجوده.. نظر إليه ت8 وغاب قليلاً ثم عاد، وقدم لسالم زجاجة صغيرة.. وأمره أن يسقيها لوالده في الحال.. بدوره قدم سالم الزجاجة لوالده، وتوسل إليه أن يتجرعها ففعل الأب.. وما هي إلا لحظات قليلة حتى أحس أبو سالم بالقوة تسري في جسده وغادره الألم.. وقف.. نظر إلى نفسه. ثم عاد إلى ولده سالم. أحس بفرح كبير.. وأخذ يصيح الحمد لله.. لقد شفيت. شكراً لك يا ولدي.. ولكن أرجوك أخبرني ما السر؟.. ما الذي حدث..
لم يجب سالم. إنما ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه، وانتهز فرصة انشغال والده بحيويته الجديدة.. وتركه وحيداً ومضى. كان الليل حل، وسالم اختفى وسط عتمة الغابة.. أحس الوالد باختفاء سالم، فناداه بصوت خفيض بداية: سالم.. سالم فأتاه صوت ولده من بعيد: وداعاً يا أبي، وداعاً..
خاف الأب كثيراً.. أراد أن يجري داخل الغابة، غير أنه سمع هديراً مختلفاً عن صوت أي مركبة يعرفها.. ثم ارتعد وهو يرى ظلام الغابة يتحول إشعاعاً وهاجاً.. وبعدها أخذ يرقب جسماً كروياً متوهجاً انطلق من طرف الغابة الآخر وأخذ يعلو بسرعة خاطفة.. حتى أن أبو سالم لم يستطع تبيان ملامح هذا الجسم الكروي الغريب.. إلا أن إحساساً بالحزن والأسى راوده وقد تيقن أن ولده على متن ذلك المركب الغريب فأخذ يعدو باتجاه بيته مذعوراً. وحين وصل سأل الحاضرين: ألم يعد سالم!؟
***
تجاوز المركب مسافات كبيرة جداً خلال زمن قصير. كان ت8 وت9 يراقبان من حجرتهما تصرفات سالم الذي بدا مضطرباً خائفاً وهو في حجرته المستقلة المغلقة. وصله صوت ت 8: ليس المهم أن تراني.. اسأل ما بدا لك. فقد بتنا على وشك الوصول..
قال سالم: أريد أن أعرف كيف تمكنتم من علاج والدي بهذه السرعة؟ ثم لِمَ اصطحبتموني معكم؟ ماذا يفيدكم وجودي؟.. وهل سأعود فعلاً لأرى أهلي من جديد؟
أجاب ت8: بالنسبة لعلاج والدك.. لقد تمكنا على كوكبنا من التخلص من الأمراض كما سبق وقلت لك، فنحن نمنح جهاز المناعة في الجسم قوة تساعده على التخلص من المرض.. لا شك أنك تعلم أن في جسم كل كائن جهاز مناعة يحارب المرض، عندكم أحياناً يتغلب المرض على هذا الجهاز فيصاب الجسم أما نحن فنمنح القوة -كما قلت لك- لهذا الجهاز فيغدو قادراً على قهر أي مرض حالاً.. إنه دواء اكتشفه أحد علمائنا ومنه أعطينا والدك.. فنحن نعطي كل جسم مقداراً يتناسب مع قدرته على التحمل..
أما عن وجودك فهو يفيدنا كثيراً يا سالم.. ولو لم نحضرك لأحضرنا غيرك.. نحن على كوكب العباقرة، ورغم تقدمنا الذي لا مثيل له نريد أن نتعلم منكم أمراً مجهولاً تماماً لدينا. وأما عن عودتك فنحن دائماً ملزمون بأية وعود نقطعها.. ستعود أجل.
قال سالم مستغرباً: ما الذي يمكنني تعليمكم إياه؟
رد ت 9: نريد أن نتعلم معاني التضحية.. الحب الفرح.. الحنين.. لقد عمد أجدادنا إلى إحداث تغييرات في طبيعة تكويننا، في بناء أجسادنا.. فقاموا بتعطيل المراكز والخلايا المسؤولة عن الأحاسيس والمشاعر منذ القديم وأصبحت أجيالنا تنشأ كالآلات دون أحاسيس.. لقد تعرفنا على هذه الأحاسيس من خلال وفد زار كوكبكم منذ سنتين، فتدارسنا إمكانية وأثر إدخالها إلى عالمنا من جديد، وتأكد لنا أن الأحاسيس ركن هام وجميل من أركان الحياة.. ستجري عليك بعض الاختبارات، علنا نستطيع التوصل إلى ما يبعث مشاعرنا وأحاسيسنا..
كان سالم ينصت باستغراب، وسأل: هل ستجرون على جسدي تجارب؟ اسألوني إن شئتم وأنا أجيب على أي سؤال.
تابع ت 9: نعدك ألا تصاب بأذى.. سنراقب علمياً تفصيلياً خلايا جسدك.. وأنت، استسلم لمشاعرك.. افرح لشفاء والدك، واحزن لفراق أهلك، واغضب لأنك هنا بلا أصدقاء، واشعر بالشوق لأهلك جميعاً، لأنك ضحيت من أجل من تحب.. نحن سنراقب أحاسيسك.. ومركز الإحساس والخلايا المسؤولة عنها.. سنراقب دماغك ونخاعك الشوكي للتعرف على الأحاسيس منذ تكونها وحتى اكتمال نضجها.. ثم نقوم بانتزاع خلايا من جسدك، علنا نتمكن من معالجتها واستكثارها بما يضمن إدخالها من جديد إلى أجيالنا المقبلة.
قال سالم: ولكن قلتم أن أجدادكم كانوا على الأرض.. أي أنكم بشر مثلنا. فلماذا عمد أجدادكم إلى إلغاء المشاعر والأحاسيس من حياتكم؟!
" ســــــالم.. وبـــلاد العباقـــرة - الكاتب: سامي محمود طه "
b23res
http://aa4l.net/mlffat/files/21277.gif
ســـــالم.. وبـــلاد العباقـرة.
"ما أقسى أن يتألم الذين نحبهم، ونحن عاجزون عن تقديم ما يخفف آلامهم" ردّد الولد سالم هذه العبارة، ودموع حزن تغادر عينيه.. تمشَّى مبتعداً عن بيت أهله، حيث يرقد والده مريضاً يئن من الألم.. لقد حضر أكثر من طبيب لمعالجته.. قدّموا النصح والأدوية ولا جدوى.. اجتمع إلى جواره الأهل والأقارب.. وما يزيد الأمر سوءاً بكاؤهم عند سريره.. أبو سالم يتألم، وسالم يتمنّى لو يقاسم والده آلامه ومرضه.. إنما الأمنيات أمر، وتحقيقها أمر آخر.. بين خواطره وأمنياته غاب سالم في شرود.. وما أفاق من شروده إلا عند مشارف الغابة المجاورة.. كان الوقت غروب الشمس.. والغابة المكونة من عشرات أشجار السنديان المتماسكة بدأت تخلع ثوب النهار لترتدي حلة الليل السوداء..
فجأة بدا لسالم أمر غريب مدهش.. رأى إبهاراً نورانياً عند مشارف الغابة.. خاف.. أراد أن يصدر لساقيه أمر الهروب بعيداً. إلا أنه فوجئ بمخلوقين غريبي الشكل يقفان أمامه، لكل منهما قامة قصيرة لا تتجاوز المتر تقريباً. ورأس كل منهما خالٍ من الشعر تماماً، وملامحهما تكاد تتطابق.. ويغطي جسد كل منهما ثوب أخضر.. لم يعرف سالم الخوف كما عرفه حينها. حتى إنه بدا عاجزاً عن الحراك والبكاء والكلام. صدر عن أحدهما ما يشبه الكلام، إنما بسرعة كبيرة جداً، لم يتسنّ لسالم معها فهم أي كلمة فلم يرد.. عندها أدرك أحد المخلوقين السر، وبسرعة كبيرة غاب ثم عاد، ومعه جهاز صغير جداً.. وعندما تكلم من جديد كان حديثه مفهوماً واضحاً..
خاطبه الكائن الغريب: عرّفنا على نفسك..
قال سالم بخوف شديد: من أنتم أولاً؟ وماذا تفعلون هنا؟
ردّ الكائن الغريب: اسمي ت 8، ورفيقي ت9.. نحن من كوكب العباقرة.. كان أجدادنا على الأرض منذ زمن بعيد، واستطاعوا بفضل عملهم أن يصلوا إلى الكوكب الذي نعيش عليه الآن.. وهو كوكب غني جداً بكل شيء.. بثرواته، بطبيعته باستقراره.. أجدادنا كانوا أصحاب حضارة متفوقة على الأرض وعندما تعرفوا ميزات كوكبنا الجديد، وآلمهم ما يحدث على الأرض من كوارث وحروب ودمار، بنوا سفينة فضاء وانطلقوا بما يحتاجونه من معدات.. وكان عددهم قليلاً.. عشرة رجال وعشر نساء.. أقاموا مختبراتهم على كوكبنا البعيد، وبفضل علمهم أصبحنا على ذلك الكوكب أصحاب حضارة تفوق تلك التي على الأرض مرات ومرات.. علماً أن كوكب العباقرة ما كان مسكوناً قبلهم.. بالمناسبة، لن أكمل قبل أن تخبرني لماذا تبدو مضطرباً؟ من أنت؟
-رد سالم: اسمي سالم- عمري أربعة عشر عاماً.. أقيم مع أهلي في ذلك البيت الحجري القديم، ويحزنني مرض أبي.. إنه يتألم.. يتألم ولم نستطيع تقديم ما يخفف ألمه.. أرجوكما هل بإمكاننا مساعدته؟ قلتما حضارتكم تفوق مرات ومرات حضارة أهل الأرض.. لا شك أن بإمكانهم مساعدته.. حاولا من أجلي أرجوكما..
قاطعه ت8: لقد استطعنا هناك التخلص من الأمراض.. لا آلام ولا علل على كوكبنا.
تابع ت9: بالتأكيد نستطيع مساعدة والدك.. إنما لنا شروط.
قال سالم بلهفة: أوافق أياً كانت الشروط.. المهم أن يتخلص من آلامه ويعود سليماً معافى.. وتعود البسمة إلى وجهه الحبيب.. أرجوكما، إنني مستعد للتضحية بعمري من أجله..
تبادل ت8 وت9 النظرات، ثم نزعا الجهاز الصغير الذي يجعل حديثهما واضحاً وأخذا يتخاطبان بسرعة هائلة.. وقف سالم حائراً. وبعد قليل أعيد تشغيل الجهاز.
قال ت8: إن أعدنا إلى والدك عافيته وستمضي معنا إلى كوكبنا.. وتقيم في ضيافتنا ثلاثة أشهر.. ماذا قلت؟
قال سالم: ماذا؟ أمضي معكم ثلاثة أشهر؟ ولكن ماذا ينفعكم وجودي؟!
رد ت9: قلت إنك مستعد للتضحية.. أم أنك نسيت آلام والدك..
وبلهفة كبيرة قال سالم: أمضي معكم حيث تشاؤون.. لكن أرى أبي أولاً سعيداً بشفائه..
قال ت8: لك ما تريد.. أخبرنا الآن ما هي الآلام التي يعاني منها والدك ثم امض إليه وأحضره إلى طرف الغابة.. ولا يأتي معه سواك.. وبعد لحظات يعاد والدك إلى البيت وقد تخلص من آلامه إلى الأبد.. هيا، تحدث عن مرضه وألمه ثم انطلق وعُد به فوراً. لا تتأخر.. وإياك أن تخبر أحداً بوجودنا.. قص سالم على مسامعهما قصة مرض أبيه، والآلام التي يعاني منها وما قال الأطباء حول حالته. وبعدها انطلق بسرعة قصوى نحو بيته.. وحين وصل اقترب من والده.. ورجاه أن يقبل بالمضي معه إلى طرف الغابة بمفرده.. وحين بكى سالم، أحس والده برغبة في تحقيق ما يريد.. فطلب من الجميع أن يتركاهما يمضيان وحدهما، مدعياً أنه يريد أن يتمشى قليلاً برفقة ولده سالم..
سار أبو سالم متكئاً على ذراع ولده.. وحين وصلا إلى طرف الغابة، أجلسه سالم على صخرة.. وبسرعة خاطفة تقدم منه ت8، حتى أن أبا سالم لم ينتبه لوجوده.. نظر إليه ت8 وغاب قليلاً ثم عاد، وقدم لسالم زجاجة صغيرة.. وأمره أن يسقيها لوالده في الحال.. بدوره قدم سالم الزجاجة لوالده، وتوسل إليه أن يتجرعها ففعل الأب.. وما هي إلا لحظات قليلة حتى أحس أبو سالم بالقوة تسري في جسده وغادره الألم.. وقف.. نظر إلى نفسه. ثم عاد إلى ولده سالم. أحس بفرح كبير.. وأخذ يصيح الحمد لله.. لقد شفيت. شكراً لك يا ولدي.. ولكن أرجوك أخبرني ما السر؟.. ما الذي حدث..
لم يجب سالم. إنما ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه، وانتهز فرصة انشغال والده بحيويته الجديدة.. وتركه وحيداً ومضى. كان الليل حل، وسالم اختفى وسط عتمة الغابة.. أحس الوالد باختفاء سالم، فناداه بصوت خفيض بداية: سالم.. سالم فأتاه صوت ولده من بعيد: وداعاً يا أبي، وداعاً..
خاف الأب كثيراً.. أراد أن يجري داخل الغابة، غير أنه سمع هديراً مختلفاً عن صوت أي مركبة يعرفها.. ثم ارتعد وهو يرى ظلام الغابة يتحول إشعاعاً وهاجاً.. وبعدها أخذ يرقب جسماً كروياً متوهجاً انطلق من طرف الغابة الآخر وأخذ يعلو بسرعة خاطفة.. حتى أن أبو سالم لم يستطع تبيان ملامح هذا الجسم الكروي الغريب.. إلا أن إحساساً بالحزن والأسى راوده وقد تيقن أن ولده على متن ذلك المركب الغريب فأخذ يعدو باتجاه بيته مذعوراً. وحين وصل سأل الحاضرين: ألم يعد سالم!؟
***
تجاوز المركب مسافات كبيرة جداً خلال زمن قصير. كان ت8 وت9 يراقبان من حجرتهما تصرفات سالم الذي بدا مضطرباً خائفاً وهو في حجرته المستقلة المغلقة. وصله صوت ت 8: ليس المهم أن تراني.. اسأل ما بدا لك. فقد بتنا على وشك الوصول..
قال سالم: أريد أن أعرف كيف تمكنتم من علاج والدي بهذه السرعة؟ ثم لِمَ اصطحبتموني معكم؟ ماذا يفيدكم وجودي؟.. وهل سأعود فعلاً لأرى أهلي من جديد؟
أجاب ت8: بالنسبة لعلاج والدك.. لقد تمكنا على كوكبنا من التخلص من الأمراض كما سبق وقلت لك، فنحن نمنح جهاز المناعة في الجسم قوة تساعده على التخلص من المرض.. لا شك أنك تعلم أن في جسم كل كائن جهاز مناعة يحارب المرض، عندكم أحياناً يتغلب المرض على هذا الجهاز فيصاب الجسم أما نحن فنمنح القوة -كما قلت لك- لهذا الجهاز فيغدو قادراً على قهر أي مرض حالاً.. إنه دواء اكتشفه أحد علمائنا ومنه أعطينا والدك.. فنحن نعطي كل جسم مقداراً يتناسب مع قدرته على التحمل..
أما عن وجودك فهو يفيدنا كثيراً يا سالم.. ولو لم نحضرك لأحضرنا غيرك.. نحن على كوكب العباقرة، ورغم تقدمنا الذي لا مثيل له نريد أن نتعلم منكم أمراً مجهولاً تماماً لدينا. وأما عن عودتك فنحن دائماً ملزمون بأية وعود نقطعها.. ستعود أجل.
قال سالم مستغرباً: ما الذي يمكنني تعليمكم إياه؟
رد ت 9: نريد أن نتعلم معاني التضحية.. الحب الفرح.. الحنين.. لقد عمد أجدادنا إلى إحداث تغييرات في طبيعة تكويننا، في بناء أجسادنا.. فقاموا بتعطيل المراكز والخلايا المسؤولة عن الأحاسيس والمشاعر منذ القديم وأصبحت أجيالنا تنشأ كالآلات دون أحاسيس.. لقد تعرفنا على هذه الأحاسيس من خلال وفد زار كوكبكم منذ سنتين، فتدارسنا إمكانية وأثر إدخالها إلى عالمنا من جديد، وتأكد لنا أن الأحاسيس ركن هام وجميل من أركان الحياة.. ستجري عليك بعض الاختبارات، علنا نستطيع التوصل إلى ما يبعث مشاعرنا وأحاسيسنا..
كان سالم ينصت باستغراب، وسأل: هل ستجرون على جسدي تجارب؟ اسألوني إن شئتم وأنا أجيب على أي سؤال.
تابع ت 9: نعدك ألا تصاب بأذى.. سنراقب علمياً تفصيلياً خلايا جسدك.. وأنت، استسلم لمشاعرك.. افرح لشفاء والدك، واحزن لفراق أهلك، واغضب لأنك هنا بلا أصدقاء، واشعر بالشوق لأهلك جميعاً، لأنك ضحيت من أجل من تحب.. نحن سنراقب أحاسيسك.. ومركز الإحساس والخلايا المسؤولة عنها.. سنراقب دماغك ونخاعك الشوكي للتعرف على الأحاسيس منذ تكونها وحتى اكتمال نضجها.. ثم نقوم بانتزاع خلايا من جسدك، علنا نتمكن من معالجتها واستكثارها بما يضمن إدخالها من جديد إلى أجيالنا المقبلة.
قال سالم: ولكن قلتم أن أجدادكم كانوا على الأرض.. أي أنكم بشر مثلنا. فلماذا عمد أجدادكم إلى إلغاء المشاعر والأحاسيس من حياتكم؟!
" ســــــالم.. وبـــلاد العباقـــرة - الكاتب: سامي محمود طه "
b23res
http://aa4l.net/mlffat/files/21277.gif