B23res
08-04-2008, 04:58 PM
http://aa4l.net/mlffat/files/21278.gif
(قصة... ليست للكبار)
في الحقيقة لا أريد أن يقرأ قصتي هذه أحدٌ من الكبار، فأنا أعرفهم جميعاً، إنهم غريبون جداً، فهم عبوسون لا يضحكون إلا عند الضرورة، ويكرهون أن يروا الأطفال يلعبون ويضحكون كما يحلو لهم.
وأنا حتى الآن، وقد صرتُ على حدود السنة التاسعة من عمري، لكني لا أفهم لماذا يمنعني الكبار من عمل ما أحبّه وهذا يزعجني جداً... جداً.
فمثلاً إذا امتدت يدي إلى أحد الرفوف لأعرف ما فوقه، وقبل أن تصله يدي أسمعهم يهتفون بي: يا ولد! انزل، ماذا تفعل عندك؟!
أعد الكرسي كما كان.....
فأسرع لأعيد الكرسي الثقيل بعد أن تعبت في سحبه. وليت هذا وحده يحدث، فأنا كلما جلست أمام التلفاز لأشاهد أفلام الرسوم المتحركة التي أحبّها، تبدأ الأصوات تصل إلي بسرعة الريح: حسام، حبيبي، ألا يكفيك ما شاهدت؟!
أو: كفاك هذا اليوم يا حسام، هيا لتكمل دراستك....
وانهض متثاقلاً إلى كتبي، فأرى((توم)) يسخر مني ويهزأ وهو يمدّ لي لسانه الأحمر مثل قطعة من اللفت المخلل وكأنه يقول: حسام عد إلى التلفاز لترى كيف سأغلب((جيري)) الفأر الشقي، وأنتقم منه، وأهمّ أن أسرع ملبيّاً لكن صوت أمي يعيدني إلى انتباهي من جديد:
هل بدأت تدرس؟ فأقول: نعم يا أمي، بدأتُ منذ زمن، هل تريدين أن تَري بنفسك؟
- نعم بعد قليل، ريثما أتمّ تنظيف الصحون وترتيب المطبخ.
أنتم تعرفون كم أحبّ مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة، فأنا أعتبر شخصياتها أصدقائي، وهم يعرفونني مثلما أعرفهم، لذلك فأنا أجلس أمام التلفاز، وأضع كتبي إلى جانبي وبالقرب منها دفاتري وأقلامي، فإذا كان أبي يقرأ صحيفة كالمعتاد بعد عودته من العمل، انظر إليه وأعجب كيف إنه يجلس بهدوء تام كل هذه الفترة، منشغلاً تماماً بهذه الصحيفة التي لا يملّ من قراءتها.. فأسأله:
بابا، متى تبدأ الرسوم المتحركة؟ فيجيبني دون أن ينظر إلي: اكتب واجباتك الآن. لكنني ألحّ: بابا، يعني نصف ساعة، صحيح؟
- نعم، اكتب يا بني
- افتحُ الكتاب، وأنظر إلى صفحاته، فأرى الكلمات المكتوبة مثلما ودّعتها بالأمس، لا تزال تبتسم... وأقرأ بصوت مسموع: الدرس قراءة... في السوق...
"ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق. كان الوقت صباحاً، والشارع مزدحماً بالمارّة والدواب، ويرتفع صوتي أكثر، لكن أبي يقاطعني:
حسام... ألا ترى أنني أقرأ؟ أخفض صوتك يا بني...
- نعم أبي... ثم أعود لأسأل سريعاً: بابا، ما معنى كلمة دواب؟
- تعني كل الحيوانات التي تدبّ، أي تسير على أربع مثل الخيول والحمير...
- لكن أليست هذه هي المواشي؟
لا المواشي هي الأغنام والماعز، وما شابه.
- أف، ما أصعب اللغة العربية! غريب!
- لا يا حسام، يقول أبي وهو يبتسم، لغتنا من أوضح اللغات مع أنها غنية ورقيقة، غداً عندما تكبر أكثر ستعرف هذا جيداً، وأظنك ستحب كثيراً أن تقرأ القصائد والقصص المكتوبة باللغة العربية فتعرف براعتها وعذوبة معانيها.
- نعم شكراً لك يا أبي... وأعود لأقرأ:
"وقف محمد وهيفاء عند محلّ لبيع الخضار.." فأشم رائحة الجزر والبندورة والقرنبيط تفوح من بين صفحات الكتاب فأسأل أمي:
- ماما، هل لا يزال عندنا جزر؟ وقبل أن أسمع جوابها، يأتيني صوت أبي: حسام، عدنا نرفع صوتنا؟ اقرأ بهدوء.
ألم أقل لكم؟! إنهم الكبار دائماً! لماذا لا يتركوننا نقرأ ونتكلم بصوت عال؟ فلا تسمعهم إلا وهم يوزّعون الأوامر:
اهدأْ يا ولد. دعْ لعبة أختك. كم صرفتَ من النقود؟ ثم ألم تنمْ بعد؟!
هيا أطفئ النور، وإلا فإنك سوف تتأخر في النهوض باكراً صباح الغد... وأنتم تعرفون البقيّة.
كلّ هذا يظلُّ بسيطاً لو أنهم لا يتهموننا-نحن الصغار- بكثرة الكلام وزيادة المطاليب! بالأمس قلت لأبي: بابا ماذا تعمل أنت؟
- هذه عاشر مرة تسألني هذا السؤال يا حسام، لا أظن أنك نسيت أنني معلّم.
- لا، فقط نسيتُ ماذا تعلّم
- كيف تنسى ذلك وأنت ولد ذكي وتلميذ مجدّ؟ إنني أعلّم اللغة الإنجليزية.
- للبنات أم للصبيان؟
- لكليهما...
- بابا، أنت محظوظ.
- لماذا يا ترى؟!
- لأنه ليس لديك واجبات للكتابة ثم أن لديك وقتاً كافياً لمشاهدة الرسوم المتحركة.
- لا، أنت مخطئ.. فأنا لديّ دائماً كثير من الواجبات ألا تراني أحضّر الدروس التي ألقيها على الطلاب كلّ يوم؟ ثم أنت ترى كم من الدفاتر أجلب معي إلى البيت لأصحّح وظائف الطلاب، ولكن يا حسام أنت تعلم أنني لا أشاهد برامج التلفاز إلا في أوقات الفراغ والراحة....
- أبي هل تسمح لي بسؤال؟
- نعم، تفضّل
- هل صحيح أن والد صديقي عدنان رائد فضاء؟
- من قال لك ذلك؟
- عدنان هو الذي أخبرني أمس أن أباه خبر أشكالاً وأنواعاً مختلفة من المراكب الفضائية حتى أن إحداها تشبه شبهاً غريباً قطعة شوكولا محشوّة بالبندق، وعلى ظهرها خطوط بيضاء مثل الحليب...
ورأيت أبي يخبّئ وجهه خلف الجريدة ويضحك... فأعود لأسأله:
- بابا، لماذا تقرأ الصحيفة كل يوم؟
وأسمع صوت أمي يناديني من الغرفة الأخرى.
- حسام، دع أباك يرتحْ، وكفاك أسئلة، ألا ترى أن أباك متعب.
- متعب، ويقرأ؟! أمر غريب حقاً!
أنا متعب لأنني أقرأ، المتعب، حسب ما أعرف، يجب أن يرتاح، فيصغي إلى الموسيقا، يشاهد التلفاز، يروي قصصاً عن عالم الفضاء المدهش، أو حتى يسمع آخر النكات! ... وأنا أيضاً متعب يا أمي، هل يمكنني أن أرتاح قليلاً؟ لم تسمعني، كنت لا أزال أرى((توم وجيري)) يركضان على صفحة كتابي المفتوح، بينما اختفى محمد واختفت أخته هيفاء، ولم تعد أكوام الجزر والبطاطا موجودة.........
وأخيراً سمعت أمي تدعوني إليها: حسام تعال... فأسرعت إليها في المطبخ حيث كانت رغوة الصابون تغمر يديها حتى المرفقين، وقبل أن أعرف ماذا تريد مني سألتها:
- ماما، أتسمحين لي باللعب معك؟
- أية لعبة تقصد؟
- برغوة الصابون
- لكني لا ألعب، أنت ترى أنني أنظّف الصحون
- إذاً دعيني أساعدك
- إذا أردت أن تساعدني حقاً فاذهب وانظرْ هل لا تزال أختك نائمة.
- حاضر يا أمي.
وحين عبرتُ مسرعاً مثل الزوبعة اصطدمتُ بصحيفة أبي التي كان لا يزال ينشرها أمامه، فأصدرتْ صوتاً خشناً، وفتحتُ باب الغرفة التي كانت أختي تنام فيها بكل هدوء ولكن رغم ذلك اعتقد أنني سمعت فرقعة وصريراً مزعجاً حتى أن أختي فتحت عينيها فجأة مثل عيني فأر مذعور، وحين لمحتْني راحت تجهّز نفسها للبكاء وهي تضم فمها حتى صار قريب الشبه بالرقم(4) مقلوباً إلى الأسفل عدتُ لأخبر أمي، فاصطدمتُ، بصحيفة أبي مرة ثانية، وسمعته وأنا أمرق كالسهم ينتهرني: انتبه يا ولد!
كانت أمي قد فرغت من تنظيف الصحون، وراحت تجفف يديها، تناولتهما، وبدأت أقبّلهما قبلاتٍ سريعةً، وأشرت لها أن تقرّب وجهها مني ففعلتْ، فهمستُ في أذنها:
- ماما، لقد استيقظت أختي.
- آه ياله من خبر مفرح حقاً! ماذا تريد مكافأة لك؟!
- لا حاجة للمكافأة يا أمي.
فابتسمتْ وقالت: تعال معي.
وقادتني إلى غرفة النوم حيث بدأت أختي الصغيرة تزحف باتجاه الباب، وعندما سمعت صوت أمي راحت ترتل: أمّا، أمّا، كغّي.
فانحنت أمي وأجلستها في حجرها وقبّلتها وأنا لا أزال أتعلّق بثيابها ثم فاجأتُها بسؤالي
- ماما، لماذا عينا أختي مثل عيني الفأر؟
- اسكت الآن، واذهب لتجلب كتابك.
خطوتُ ببطء نحو غرفة الجلوس، وكأن أبي مستغرقاً في مشاهدة الأخبار على شاشة التلفاز، وقد طوى الصحيفة إلى جانبه، توقفتُ خلفه دون أن يشعر بوجودي ثم سألته:
- أبي، لماذا تشاهد الأخبار دائماً؟ إنها ليست ممتعة.
- آه يا بني! كم مرة قلت لك لا تتحرك في الخفاء، لقد أزعجتني!
- كنت أريد أن أمرّ من أمامك ولكنني خفتُ أن أسقط صحيفتك، ومثل عادته دائماً راح أبي يضحك وهو يغمغم: ولد شقي حقاً! فطوّقتُ عنقه وأنا أضحك محتجّاً.
لماذا الأخبار وليس أفلام الكرتون؟! أنا لا أحبّ الأخبار. فهل تحب أنت ما تعرضه من حروب وقتل ودمار؟! أنا أكره الأخبار! فيقول أبي:
- صحيح يا بني، ولكن لابد لنا أن نعرف ماذا يحدث في العالم الكبير حولنا، إنه واجب علينا، نحن الكبار، وإلا فإننا سنكون جاهلين!
- الكبار؟ إن أمرهم غريب! أما أنا فمن جهتي يكفيني أن أعرف أن محمداً وأخته هيفاء قد ذهبا إلى سوق الخضار، واشتريا كثيراً من الجزر والبطاطا والفول عدت بالكتاب فرأيت أمي قد انحنت فوق سرير أختي، وراحت تهدهدها وتغني بصوت عذب، طالما أحببته لما فيه من رقة وحنان وبخاصة هذه الأغنية:
[[ عند الصبح....... العصفورةْ
هدّتْ عَ الشباكْ
لمّا الساعة المسحورة
غنّت تك تك تاك
هذي البنت الأمّورة
صحيتْ ع بكّير
قالت: ياللّه يا حلوه
لنرَفرفْ ونطيرْ....]]
بقيتُ واقفاً ساكناً ريثما انتهت الأغنية، وأطبقت أختي جفنيها وهي تبتسم، فتناولتْ أمي يدي وقادتني قائلة: هل جلبتَ الكتاب؟ حسناً تعال لنرى كيف حفظت درس القراءة.
- نعم يا أمي، حفظته جيداً، ومعلمتي تقول دائماً إنني سأظلّ الأوّل بين تلاميذ صفّي، فأنا أقرأ جيداً، حتى أنني حفظت بعض الدروس غيباً، هل تريدين أن تتأكدي؟ ها أنا أغلق الكتاب، وتفضلي اسمعي:
[[في السوق، ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق.. كان الوقت صباحاً....]]
لكن يا أمي متى سنذهب نحن إلى السوق؟ ضحكت أمي وقالت:
قريباً إن شاء الله، وما دمتَ مجتهداً ومتفوقاً، فهيا بنا نقرأ شيئاً آخر غير الكتاب المدرسي، لقد جلبتُ مؤخراً بعض الكتب الثقافية، وأريد أن تساعدني في قراءة بعضها.
- أمي، ما معنى ثقافية؟
- إنها غير الكتب التي ندرسها في المدارس وهي تساعدنا في زيادة معارفنا وعلومنا، ثم إنها ترهف حواسنا وتجعلنا نحب الخير وننفر من الشر والقبح، هل تفهمني؟
- طبعاً يا أمي!
- ويجب أن تعرف كذلك أن حياتنا هذه لا مكان فيها إلا للمتعلمين والأذكياء ومن غير القراءة لا يمكننا أن نحقق أهدافنا وطموحنا، أليس كذلك؟
- نعم يا أمي، أنا هدفي في الحياة أن أكون رائد فضاء، لكن أمي، بماذا يتسلّى روّاد الفضاء في أوقات فراغهم؟ هل في المركبة الفضائية جهاز تلفاز؟
ويا لها من كلمات قالتها أمي، إن صداها لا يزال يرنّ في أذني، فقد كانت خارجة من القلب تماماً مثلما أغنياتها الرقيقة لأختي:
- يا بنيّ، لا يمكن لأحد أن يصير عالماً أو طبيباً أو رائد فضاء إلا بالتعلّم الجيد والمثابرة على قراءة الكتب الكثيرة، وليس بقضاء الوقت في مشاهد التلفاز.....
حتى هذا الجهاز العجيب الذي تحب، هل فكّرت يوماً من الذي اخترعه؟ إنه ليس شخصاً جاهلاً حتماً من ابتدع ذلك الجهاز المعقّد والعظيم!
إنه العلم يا ولدي طريقنا الوحيد للاكتشاف واختراع كل ما هو جديد ومفيد ولا سبيل إلى العلم إلا بالقراءة، القراءة الدائمة التي سريعاً سنكتشف لذّتها الرائعة، وهذا لا يتحقق إلا بعد أن نتّخذ الكتاب صديقاً حميماً، ومن هنا فالواجب يقتضي أن نعامل معلمينا باحترام لأنهم يرشدوننا إلى طريق الحياة العظيمة، وأنت تعرف كم يحبّ الناسُ أباك ويحترمونه لأنه معلّم مخلص.
- وأنا أحبّه وأحترمه يا أمي رغم أنه لم يعطني مصروف العطلة
- حسام، العطلة لم تأتِ بعد، فلا تكن لجوجاً، ثم إن النقود موضوعة في درجك منذ يومين!
- صحيح؟ عن إذنك يا أمي، سأسقطها في حصّالتي وأعود إليك سريعاً.
وأثناء مروري بالمكتب كان أبي ينثر أوراقه ويدوّن عليها بخطّه الأنيق كلمات يكتب بعضها من اليمين وبعضها الآخر من اليسار، فسعلتُ سعلة خفيفة ثم اقتربت منه وقبّلته قبلةً على خدّه الأيمن وقبلةً على خدّه الأيسر، فقبّلني وهو يقول: مصروفك في درج المكتب.
- نعم شكراً لك يا أبي، ولكن إذا أنا ادّخرت كلَّ مصروفي حتى نهاية العام فهل سيتجمّع لديّ مبلغٌ كبير من النقود؟
- مبلغ كبير؟ وما حاجتك إليه يا ترى؟!
- قل لي يا أبي هل هذا ممكن؟
- ربما إذا لم تسرف في الإنفاق وشراء الحلوى.
- لن أشتري شيئاً من ذلك بعد اليوم وسأحتفظ بكل فلس
- ولكن لم تقل لي سبب هذا الحرص! هل تفكر بمشروع ما؟!
- نعم لقد عرفت اليوم أن هناك ما هو أثمن من كلّ شيء فقررت أن أشتري كثيراً من الكتب، ليكون عندي مكتبتي الخاصة فأنت تعرف يا أبي رائد الفضاء يجب أن يكون مثقفاً، ومن غير قراءة الكتب كيف يمكنه أن يحقق هدفه؟!
يتبــــع
b23res
http://aa4l.net/mlffat/files/21277.gif
(قصة... ليست للكبار)
في الحقيقة لا أريد أن يقرأ قصتي هذه أحدٌ من الكبار، فأنا أعرفهم جميعاً، إنهم غريبون جداً، فهم عبوسون لا يضحكون إلا عند الضرورة، ويكرهون أن يروا الأطفال يلعبون ويضحكون كما يحلو لهم.
وأنا حتى الآن، وقد صرتُ على حدود السنة التاسعة من عمري، لكني لا أفهم لماذا يمنعني الكبار من عمل ما أحبّه وهذا يزعجني جداً... جداً.
فمثلاً إذا امتدت يدي إلى أحد الرفوف لأعرف ما فوقه، وقبل أن تصله يدي أسمعهم يهتفون بي: يا ولد! انزل، ماذا تفعل عندك؟!
أعد الكرسي كما كان.....
فأسرع لأعيد الكرسي الثقيل بعد أن تعبت في سحبه. وليت هذا وحده يحدث، فأنا كلما جلست أمام التلفاز لأشاهد أفلام الرسوم المتحركة التي أحبّها، تبدأ الأصوات تصل إلي بسرعة الريح: حسام، حبيبي، ألا يكفيك ما شاهدت؟!
أو: كفاك هذا اليوم يا حسام، هيا لتكمل دراستك....
وانهض متثاقلاً إلى كتبي، فأرى((توم)) يسخر مني ويهزأ وهو يمدّ لي لسانه الأحمر مثل قطعة من اللفت المخلل وكأنه يقول: حسام عد إلى التلفاز لترى كيف سأغلب((جيري)) الفأر الشقي، وأنتقم منه، وأهمّ أن أسرع ملبيّاً لكن صوت أمي يعيدني إلى انتباهي من جديد:
هل بدأت تدرس؟ فأقول: نعم يا أمي، بدأتُ منذ زمن، هل تريدين أن تَري بنفسك؟
- نعم بعد قليل، ريثما أتمّ تنظيف الصحون وترتيب المطبخ.
أنتم تعرفون كم أحبّ مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة، فأنا أعتبر شخصياتها أصدقائي، وهم يعرفونني مثلما أعرفهم، لذلك فأنا أجلس أمام التلفاز، وأضع كتبي إلى جانبي وبالقرب منها دفاتري وأقلامي، فإذا كان أبي يقرأ صحيفة كالمعتاد بعد عودته من العمل، انظر إليه وأعجب كيف إنه يجلس بهدوء تام كل هذه الفترة، منشغلاً تماماً بهذه الصحيفة التي لا يملّ من قراءتها.. فأسأله:
بابا، متى تبدأ الرسوم المتحركة؟ فيجيبني دون أن ينظر إلي: اكتب واجباتك الآن. لكنني ألحّ: بابا، يعني نصف ساعة، صحيح؟
- نعم، اكتب يا بني
- افتحُ الكتاب، وأنظر إلى صفحاته، فأرى الكلمات المكتوبة مثلما ودّعتها بالأمس، لا تزال تبتسم... وأقرأ بصوت مسموع: الدرس قراءة... في السوق...
"ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق. كان الوقت صباحاً، والشارع مزدحماً بالمارّة والدواب، ويرتفع صوتي أكثر، لكن أبي يقاطعني:
حسام... ألا ترى أنني أقرأ؟ أخفض صوتك يا بني...
- نعم أبي... ثم أعود لأسأل سريعاً: بابا، ما معنى كلمة دواب؟
- تعني كل الحيوانات التي تدبّ، أي تسير على أربع مثل الخيول والحمير...
- لكن أليست هذه هي المواشي؟
لا المواشي هي الأغنام والماعز، وما شابه.
- أف، ما أصعب اللغة العربية! غريب!
- لا يا حسام، يقول أبي وهو يبتسم، لغتنا من أوضح اللغات مع أنها غنية ورقيقة، غداً عندما تكبر أكثر ستعرف هذا جيداً، وأظنك ستحب كثيراً أن تقرأ القصائد والقصص المكتوبة باللغة العربية فتعرف براعتها وعذوبة معانيها.
- نعم شكراً لك يا أبي... وأعود لأقرأ:
"وقف محمد وهيفاء عند محلّ لبيع الخضار.." فأشم رائحة الجزر والبندورة والقرنبيط تفوح من بين صفحات الكتاب فأسأل أمي:
- ماما، هل لا يزال عندنا جزر؟ وقبل أن أسمع جوابها، يأتيني صوت أبي: حسام، عدنا نرفع صوتنا؟ اقرأ بهدوء.
ألم أقل لكم؟! إنهم الكبار دائماً! لماذا لا يتركوننا نقرأ ونتكلم بصوت عال؟ فلا تسمعهم إلا وهم يوزّعون الأوامر:
اهدأْ يا ولد. دعْ لعبة أختك. كم صرفتَ من النقود؟ ثم ألم تنمْ بعد؟!
هيا أطفئ النور، وإلا فإنك سوف تتأخر في النهوض باكراً صباح الغد... وأنتم تعرفون البقيّة.
كلّ هذا يظلُّ بسيطاً لو أنهم لا يتهموننا-نحن الصغار- بكثرة الكلام وزيادة المطاليب! بالأمس قلت لأبي: بابا ماذا تعمل أنت؟
- هذه عاشر مرة تسألني هذا السؤال يا حسام، لا أظن أنك نسيت أنني معلّم.
- لا، فقط نسيتُ ماذا تعلّم
- كيف تنسى ذلك وأنت ولد ذكي وتلميذ مجدّ؟ إنني أعلّم اللغة الإنجليزية.
- للبنات أم للصبيان؟
- لكليهما...
- بابا، أنت محظوظ.
- لماذا يا ترى؟!
- لأنه ليس لديك واجبات للكتابة ثم أن لديك وقتاً كافياً لمشاهدة الرسوم المتحركة.
- لا، أنت مخطئ.. فأنا لديّ دائماً كثير من الواجبات ألا تراني أحضّر الدروس التي ألقيها على الطلاب كلّ يوم؟ ثم أنت ترى كم من الدفاتر أجلب معي إلى البيت لأصحّح وظائف الطلاب، ولكن يا حسام أنت تعلم أنني لا أشاهد برامج التلفاز إلا في أوقات الفراغ والراحة....
- أبي هل تسمح لي بسؤال؟
- نعم، تفضّل
- هل صحيح أن والد صديقي عدنان رائد فضاء؟
- من قال لك ذلك؟
- عدنان هو الذي أخبرني أمس أن أباه خبر أشكالاً وأنواعاً مختلفة من المراكب الفضائية حتى أن إحداها تشبه شبهاً غريباً قطعة شوكولا محشوّة بالبندق، وعلى ظهرها خطوط بيضاء مثل الحليب...
ورأيت أبي يخبّئ وجهه خلف الجريدة ويضحك... فأعود لأسأله:
- بابا، لماذا تقرأ الصحيفة كل يوم؟
وأسمع صوت أمي يناديني من الغرفة الأخرى.
- حسام، دع أباك يرتحْ، وكفاك أسئلة، ألا ترى أن أباك متعب.
- متعب، ويقرأ؟! أمر غريب حقاً!
أنا متعب لأنني أقرأ، المتعب، حسب ما أعرف، يجب أن يرتاح، فيصغي إلى الموسيقا، يشاهد التلفاز، يروي قصصاً عن عالم الفضاء المدهش، أو حتى يسمع آخر النكات! ... وأنا أيضاً متعب يا أمي، هل يمكنني أن أرتاح قليلاً؟ لم تسمعني، كنت لا أزال أرى((توم وجيري)) يركضان على صفحة كتابي المفتوح، بينما اختفى محمد واختفت أخته هيفاء، ولم تعد أكوام الجزر والبطاطا موجودة.........
وأخيراً سمعت أمي تدعوني إليها: حسام تعال... فأسرعت إليها في المطبخ حيث كانت رغوة الصابون تغمر يديها حتى المرفقين، وقبل أن أعرف ماذا تريد مني سألتها:
- ماما، أتسمحين لي باللعب معك؟
- أية لعبة تقصد؟
- برغوة الصابون
- لكني لا ألعب، أنت ترى أنني أنظّف الصحون
- إذاً دعيني أساعدك
- إذا أردت أن تساعدني حقاً فاذهب وانظرْ هل لا تزال أختك نائمة.
- حاضر يا أمي.
وحين عبرتُ مسرعاً مثل الزوبعة اصطدمتُ بصحيفة أبي التي كان لا يزال ينشرها أمامه، فأصدرتْ صوتاً خشناً، وفتحتُ باب الغرفة التي كانت أختي تنام فيها بكل هدوء ولكن رغم ذلك اعتقد أنني سمعت فرقعة وصريراً مزعجاً حتى أن أختي فتحت عينيها فجأة مثل عيني فأر مذعور، وحين لمحتْني راحت تجهّز نفسها للبكاء وهي تضم فمها حتى صار قريب الشبه بالرقم(4) مقلوباً إلى الأسفل عدتُ لأخبر أمي، فاصطدمتُ، بصحيفة أبي مرة ثانية، وسمعته وأنا أمرق كالسهم ينتهرني: انتبه يا ولد!
كانت أمي قد فرغت من تنظيف الصحون، وراحت تجفف يديها، تناولتهما، وبدأت أقبّلهما قبلاتٍ سريعةً، وأشرت لها أن تقرّب وجهها مني ففعلتْ، فهمستُ في أذنها:
- ماما، لقد استيقظت أختي.
- آه ياله من خبر مفرح حقاً! ماذا تريد مكافأة لك؟!
- لا حاجة للمكافأة يا أمي.
فابتسمتْ وقالت: تعال معي.
وقادتني إلى غرفة النوم حيث بدأت أختي الصغيرة تزحف باتجاه الباب، وعندما سمعت صوت أمي راحت ترتل: أمّا، أمّا، كغّي.
فانحنت أمي وأجلستها في حجرها وقبّلتها وأنا لا أزال أتعلّق بثيابها ثم فاجأتُها بسؤالي
- ماما، لماذا عينا أختي مثل عيني الفأر؟
- اسكت الآن، واذهب لتجلب كتابك.
خطوتُ ببطء نحو غرفة الجلوس، وكأن أبي مستغرقاً في مشاهدة الأخبار على شاشة التلفاز، وقد طوى الصحيفة إلى جانبه، توقفتُ خلفه دون أن يشعر بوجودي ثم سألته:
- أبي، لماذا تشاهد الأخبار دائماً؟ إنها ليست ممتعة.
- آه يا بني! كم مرة قلت لك لا تتحرك في الخفاء، لقد أزعجتني!
- كنت أريد أن أمرّ من أمامك ولكنني خفتُ أن أسقط صحيفتك، ومثل عادته دائماً راح أبي يضحك وهو يغمغم: ولد شقي حقاً! فطوّقتُ عنقه وأنا أضحك محتجّاً.
لماذا الأخبار وليس أفلام الكرتون؟! أنا لا أحبّ الأخبار. فهل تحب أنت ما تعرضه من حروب وقتل ودمار؟! أنا أكره الأخبار! فيقول أبي:
- صحيح يا بني، ولكن لابد لنا أن نعرف ماذا يحدث في العالم الكبير حولنا، إنه واجب علينا، نحن الكبار، وإلا فإننا سنكون جاهلين!
- الكبار؟ إن أمرهم غريب! أما أنا فمن جهتي يكفيني أن أعرف أن محمداً وأخته هيفاء قد ذهبا إلى سوق الخضار، واشتريا كثيراً من الجزر والبطاطا والفول عدت بالكتاب فرأيت أمي قد انحنت فوق سرير أختي، وراحت تهدهدها وتغني بصوت عذب، طالما أحببته لما فيه من رقة وحنان وبخاصة هذه الأغنية:
[[ عند الصبح....... العصفورةْ
هدّتْ عَ الشباكْ
لمّا الساعة المسحورة
غنّت تك تك تاك
هذي البنت الأمّورة
صحيتْ ع بكّير
قالت: ياللّه يا حلوه
لنرَفرفْ ونطيرْ....]]
بقيتُ واقفاً ساكناً ريثما انتهت الأغنية، وأطبقت أختي جفنيها وهي تبتسم، فتناولتْ أمي يدي وقادتني قائلة: هل جلبتَ الكتاب؟ حسناً تعال لنرى كيف حفظت درس القراءة.
- نعم يا أمي، حفظته جيداً، ومعلمتي تقول دائماً إنني سأظلّ الأوّل بين تلاميذ صفّي، فأنا أقرأ جيداً، حتى أنني حفظت بعض الدروس غيباً، هل تريدين أن تتأكدي؟ ها أنا أغلق الكتاب، وتفضلي اسمعي:
[[في السوق، ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق.. كان الوقت صباحاً....]]
لكن يا أمي متى سنذهب نحن إلى السوق؟ ضحكت أمي وقالت:
قريباً إن شاء الله، وما دمتَ مجتهداً ومتفوقاً، فهيا بنا نقرأ شيئاً آخر غير الكتاب المدرسي، لقد جلبتُ مؤخراً بعض الكتب الثقافية، وأريد أن تساعدني في قراءة بعضها.
- أمي، ما معنى ثقافية؟
- إنها غير الكتب التي ندرسها في المدارس وهي تساعدنا في زيادة معارفنا وعلومنا، ثم إنها ترهف حواسنا وتجعلنا نحب الخير وننفر من الشر والقبح، هل تفهمني؟
- طبعاً يا أمي!
- ويجب أن تعرف كذلك أن حياتنا هذه لا مكان فيها إلا للمتعلمين والأذكياء ومن غير القراءة لا يمكننا أن نحقق أهدافنا وطموحنا، أليس كذلك؟
- نعم يا أمي، أنا هدفي في الحياة أن أكون رائد فضاء، لكن أمي، بماذا يتسلّى روّاد الفضاء في أوقات فراغهم؟ هل في المركبة الفضائية جهاز تلفاز؟
ويا لها من كلمات قالتها أمي، إن صداها لا يزال يرنّ في أذني، فقد كانت خارجة من القلب تماماً مثلما أغنياتها الرقيقة لأختي:
- يا بنيّ، لا يمكن لأحد أن يصير عالماً أو طبيباً أو رائد فضاء إلا بالتعلّم الجيد والمثابرة على قراءة الكتب الكثيرة، وليس بقضاء الوقت في مشاهد التلفاز.....
حتى هذا الجهاز العجيب الذي تحب، هل فكّرت يوماً من الذي اخترعه؟ إنه ليس شخصاً جاهلاً حتماً من ابتدع ذلك الجهاز المعقّد والعظيم!
إنه العلم يا ولدي طريقنا الوحيد للاكتشاف واختراع كل ما هو جديد ومفيد ولا سبيل إلى العلم إلا بالقراءة، القراءة الدائمة التي سريعاً سنكتشف لذّتها الرائعة، وهذا لا يتحقق إلا بعد أن نتّخذ الكتاب صديقاً حميماً، ومن هنا فالواجب يقتضي أن نعامل معلمينا باحترام لأنهم يرشدوننا إلى طريق الحياة العظيمة، وأنت تعرف كم يحبّ الناسُ أباك ويحترمونه لأنه معلّم مخلص.
- وأنا أحبّه وأحترمه يا أمي رغم أنه لم يعطني مصروف العطلة
- حسام، العطلة لم تأتِ بعد، فلا تكن لجوجاً، ثم إن النقود موضوعة في درجك منذ يومين!
- صحيح؟ عن إذنك يا أمي، سأسقطها في حصّالتي وأعود إليك سريعاً.
وأثناء مروري بالمكتب كان أبي ينثر أوراقه ويدوّن عليها بخطّه الأنيق كلمات يكتب بعضها من اليمين وبعضها الآخر من اليسار، فسعلتُ سعلة خفيفة ثم اقتربت منه وقبّلته قبلةً على خدّه الأيمن وقبلةً على خدّه الأيسر، فقبّلني وهو يقول: مصروفك في درج المكتب.
- نعم شكراً لك يا أبي، ولكن إذا أنا ادّخرت كلَّ مصروفي حتى نهاية العام فهل سيتجمّع لديّ مبلغٌ كبير من النقود؟
- مبلغ كبير؟ وما حاجتك إليه يا ترى؟!
- قل لي يا أبي هل هذا ممكن؟
- ربما إذا لم تسرف في الإنفاق وشراء الحلوى.
- لن أشتري شيئاً من ذلك بعد اليوم وسأحتفظ بكل فلس
- ولكن لم تقل لي سبب هذا الحرص! هل تفكر بمشروع ما؟!
- نعم لقد عرفت اليوم أن هناك ما هو أثمن من كلّ شيء فقررت أن أشتري كثيراً من الكتب، ليكون عندي مكتبتي الخاصة فأنت تعرف يا أبي رائد الفضاء يجب أن يكون مثقفاً، ومن غير قراءة الكتب كيف يمكنه أن يحقق هدفه؟!
يتبــــع
b23res
http://aa4l.net/mlffat/files/21277.gif