gharalrand
16-10-2006, 08:36 AM
لم يكن أحمد شوقي الذي عاش في عصر شهد تغلغل النفوذ الأوروبي إلى قلب المنطقة العربية، سوى الابن البار لعصره فارتبط بهموم مجتمعه وآماله وآلامه، لذا نراه قد شهر سيفه محارباً محاولة الغرب تسريب ثقافته ولغته وتقاليده ومظاهره وتقريبها إلى عقول الناس بحيث تصبح نمطاً عادياً ينسيهم واقعهم وحضارتهم ويشدهم إلى «التفرنج» والتغريب الذي كان له الأثر الكبير في العديد من الدعوات والدعوات المضادة من اصلاحية وتجددية واسلامية وعربية إلى جانب دعوات الالتصاق بالغرب. وقد شهد شوقي الثورة العربية وسقوط السلطنة العثمانية والحرب الكونية الأولى وسيطرة الانجليز على مصر وقيام الحركات الوطنية التي توجّت بالثورة العربية الكبرى وبالثورتين العراقية والسورية وثورات الجزائر وتونس وليبيا والمغرب وكانت بذور النهضة العربية القومية قد أخذت تتبلور منذ أواخر القرن التاسع عشر.
ـ حياة شوقي:
وسط هذه الأجواء الحبلى بكل أمر جديد، ولد شوقي العام 1869م حيث قضى طفولته وقسماً من فتوته عند جدته لأمه، وعندما بلغ شاعرنا عتبة الشباب، تأثر بمحمود سامي البارودي من المحدثين وبالشعراء العباسيين من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري كما تأثر ببعض أدباء الغرب، وعندما ألحقه والده بمدرسة الحقوق، لم يتابعها بل التحق في قسم الترجمة، وفي هذه المرحلة المهمة من حياته اتصل اتصالاً مباشراً بأستاذ في اللغة العربية الشيخ محمد البسيوني البيباني، الذي أفاده لغوياً بفضل كونه شيخاً أزهرياً.
وبعد تخرجه من قسم الترجمة عيّن موظفاً في قصر الخديوي توفيق الذي أرسله إلى فرنسا ليكمل دراسته في الحقوق والأدب معاً. وتعتبر هذه المرحلة ذات مؤثرات ثقافية وشعرية من حيث اطلاع شاعرنا على الحضارة الغربية وآدابها. ولدى عودة شوقي إلى مصر اتصل بالخديوي عباس الذي خلف أخاه المتوفي توفيقاً. فقربه منه وأرسله إلى سويسرا ليمثل مصر في مؤتمر المستشرقين وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، خلع الانكليز الخديوي عباساً وعينوا مكانه السلطان حسين كامل وصدر الأمر بنفي شوقي إلى اسبانيا بسبب مهاجمته الانكليز. وفي عام 1919 عاد إلى مصر التي استقبلته استقبالاً حافلاً واختير عام 1927 عضواً في مجلس الشيوخ وكرّس في نفس العام أميراً للشعراء، وفي الرابع عشر من تشرين الأول عام 1932 توفي الأمير المتوج فرثاه شعراء العرب بأحلى القصائد الخالدة.
ـ الأثر الإسلامي:
لا يمكن الحديث في تلك الفترة عن أي اتجاه اسلامي أصيل متجدد خارج ما طرحه الأفغاني ومحمد عبده ولا نظن أن شوقي كان يحبذ هذا التيار، خاصة وإن الدولة الإسلامية كانت عالقة بين مطرقة الأتراك الضعفاء وسندان التغريب، لذلك نرى كيف سادت النزعة الاسلامية في مصر على كل الروابط حتى أوائل القرن العشرين وكان من البديهي اعتراف المصريين بسلطة الخليفة التركي عليهم؟، حتى إن أحمد عرابي، حينما ثار على فساد الحكام والحكم في مصر وعلى تغلغل النفوذ الأجنبي، لم يفكر بالخروج على السلطان أو عدم طاعته. وكانت الأحداث المتسارعة بسبب المسألة الشرقية تتلون بلون ديني عند معظم الكتاب والمفكرين في الشرق والغرب معاً.
وكان الشعراء يمدحون الخليفة ويشيدون بفضله وحرصه على إعلاء كلمة الدين وكانوا يرون إن الخليفة هو موحد المسلمين والمدافع عنهم يقول شوقي في ذلك:
رضي المسلمون والاسلام فرع عثمان. دُم فِداكَ الدوامُ
ايه عبدالحميد جل زمان أنت فيه خلافة وامامُ
عمرٌ أنتَ، بيد أنك ظل للبرايا وعصمة وسلامُ
عالم لم يكن لينظم ا إنك السلم وسطه والوئامُ
وكان يرى شعراء هذه الحقبة في الخليفة المنقذ الذي عليه واجب المساعدة ورعاية شؤون المسلمين ويعاتبونه إذا تخلف، وفي هذا يقول شوقي:
عالي الباب، هزّ بابك منا فسعينا وفي الناس مرام
نستميح الإمام نصرا لمصر مثلما ينصر الحسام الحسام
فلمصر ـ وأنت بالحب أدرى ـ بك يا حامي الحمى استعصام
وإلى السيد الخليفة نشكر جور دهر أحراره ظلام
وعدوها لنا وعودا كبارا هل رأيت القرى علاها الجهام
ويقول شوقي في قصيدة «ضجيج الحجيج» التي رفعها إلى السلطان عبدالحميد، شاكياً اضطراب الأمن في الحجاز بسبب تمرد شريف مكة:
ضجّ الحجيج وضجّ البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم
قد مسّها في حماك الضر فاقض لها خليفة الله، أنت السيد الحكم
وعندما ينتصر الأتراك في حربهم مع اليونان عام 1897م يرتفع صوت شوقي مشيداً بانتصار الترك الذين أعلوا راية الاسلام وصانوا خلافته:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب
رفعنا إلى النجم الرؤوس بنصركم وكنا بحكم الحادثات نصوّب
ومما لا شك فيه أن للاسلام والمسيحية أثراً عظيماً في شعر شوقي، فالاسلام أوحى له قصائده الشهيرة: «نهج البردة والمدائح النبوية» والمسيحية أوحت له الكثير من المقتطفات الرائعة فهو يقول في «الأندلس الجديدة»:
عيسى سبيلك رحمة ومحبة في العالمين وعصمة وسلام
يا حامل الآلام بعد هذا الورى كثرت عليه باسمك الآلام
وقد قاده تقديسه للديانتين إلى نظم قصيدة في مسجد «آيا صوفيا» أحسن فيها بقوله:
كنيسة صارت إلى مسجد هدية السيد للسيد
كانت لعيسى حرماً فانتهت بنصرة الروح إلى أحمد
ـ حياة شوقي:
وسط هذه الأجواء الحبلى بكل أمر جديد، ولد شوقي العام 1869م حيث قضى طفولته وقسماً من فتوته عند جدته لأمه، وعندما بلغ شاعرنا عتبة الشباب، تأثر بمحمود سامي البارودي من المحدثين وبالشعراء العباسيين من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري كما تأثر ببعض أدباء الغرب، وعندما ألحقه والده بمدرسة الحقوق، لم يتابعها بل التحق في قسم الترجمة، وفي هذه المرحلة المهمة من حياته اتصل اتصالاً مباشراً بأستاذ في اللغة العربية الشيخ محمد البسيوني البيباني، الذي أفاده لغوياً بفضل كونه شيخاً أزهرياً.
وبعد تخرجه من قسم الترجمة عيّن موظفاً في قصر الخديوي توفيق الذي أرسله إلى فرنسا ليكمل دراسته في الحقوق والأدب معاً. وتعتبر هذه المرحلة ذات مؤثرات ثقافية وشعرية من حيث اطلاع شاعرنا على الحضارة الغربية وآدابها. ولدى عودة شوقي إلى مصر اتصل بالخديوي عباس الذي خلف أخاه المتوفي توفيقاً. فقربه منه وأرسله إلى سويسرا ليمثل مصر في مؤتمر المستشرقين وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، خلع الانكليز الخديوي عباساً وعينوا مكانه السلطان حسين كامل وصدر الأمر بنفي شوقي إلى اسبانيا بسبب مهاجمته الانكليز. وفي عام 1919 عاد إلى مصر التي استقبلته استقبالاً حافلاً واختير عام 1927 عضواً في مجلس الشيوخ وكرّس في نفس العام أميراً للشعراء، وفي الرابع عشر من تشرين الأول عام 1932 توفي الأمير المتوج فرثاه شعراء العرب بأحلى القصائد الخالدة.
ـ الأثر الإسلامي:
لا يمكن الحديث في تلك الفترة عن أي اتجاه اسلامي أصيل متجدد خارج ما طرحه الأفغاني ومحمد عبده ولا نظن أن شوقي كان يحبذ هذا التيار، خاصة وإن الدولة الإسلامية كانت عالقة بين مطرقة الأتراك الضعفاء وسندان التغريب، لذلك نرى كيف سادت النزعة الاسلامية في مصر على كل الروابط حتى أوائل القرن العشرين وكان من البديهي اعتراف المصريين بسلطة الخليفة التركي عليهم؟، حتى إن أحمد عرابي، حينما ثار على فساد الحكام والحكم في مصر وعلى تغلغل النفوذ الأجنبي، لم يفكر بالخروج على السلطان أو عدم طاعته. وكانت الأحداث المتسارعة بسبب المسألة الشرقية تتلون بلون ديني عند معظم الكتاب والمفكرين في الشرق والغرب معاً.
وكان الشعراء يمدحون الخليفة ويشيدون بفضله وحرصه على إعلاء كلمة الدين وكانوا يرون إن الخليفة هو موحد المسلمين والمدافع عنهم يقول شوقي في ذلك:
رضي المسلمون والاسلام فرع عثمان. دُم فِداكَ الدوامُ
ايه عبدالحميد جل زمان أنت فيه خلافة وامامُ
عمرٌ أنتَ، بيد أنك ظل للبرايا وعصمة وسلامُ
عالم لم يكن لينظم ا إنك السلم وسطه والوئامُ
وكان يرى شعراء هذه الحقبة في الخليفة المنقذ الذي عليه واجب المساعدة ورعاية شؤون المسلمين ويعاتبونه إذا تخلف، وفي هذا يقول شوقي:
عالي الباب، هزّ بابك منا فسعينا وفي الناس مرام
نستميح الإمام نصرا لمصر مثلما ينصر الحسام الحسام
فلمصر ـ وأنت بالحب أدرى ـ بك يا حامي الحمى استعصام
وإلى السيد الخليفة نشكر جور دهر أحراره ظلام
وعدوها لنا وعودا كبارا هل رأيت القرى علاها الجهام
ويقول شوقي في قصيدة «ضجيج الحجيج» التي رفعها إلى السلطان عبدالحميد، شاكياً اضطراب الأمن في الحجاز بسبب تمرد شريف مكة:
ضجّ الحجيج وضجّ البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم
قد مسّها في حماك الضر فاقض لها خليفة الله، أنت السيد الحكم
وعندما ينتصر الأتراك في حربهم مع اليونان عام 1897م يرتفع صوت شوقي مشيداً بانتصار الترك الذين أعلوا راية الاسلام وصانوا خلافته:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب
رفعنا إلى النجم الرؤوس بنصركم وكنا بحكم الحادثات نصوّب
ومما لا شك فيه أن للاسلام والمسيحية أثراً عظيماً في شعر شوقي، فالاسلام أوحى له قصائده الشهيرة: «نهج البردة والمدائح النبوية» والمسيحية أوحت له الكثير من المقتطفات الرائعة فهو يقول في «الأندلس الجديدة»:
عيسى سبيلك رحمة ومحبة في العالمين وعصمة وسلام
يا حامل الآلام بعد هذا الورى كثرت عليه باسمك الآلام
وقد قاده تقديسه للديانتين إلى نظم قصيدة في مسجد «آيا صوفيا» أحسن فيها بقوله:
كنيسة صارت إلى مسجد هدية السيد للسيد
كانت لعيسى حرماً فانتهت بنصرة الروح إلى أحمد