gharalrand
16-10-2006, 08:35 AM
خمس عشرة رسالة بالبريد الجوي (البريد العراقي) وصلت من نازك الملائكة ( 80سنة الآن وتعيش وحيدة مع ابنها في ضاحية مصر الجديدة بالقاهرة) وكان عنوانها آنذاك 12/4أبو قلام - الكرادة الشرقية - بغداد - العراق)، كانت قد أرسلتها إلى الأستاذ عيسى الناعوري . صندوق بريد - 352عمان، الأردن . وهي رسائل مخطوطة لم تُنشر كتبتها الشاعرة العراقية الرائدة في الفترة من 14سبتمبر 1952وحتى 16من مايو 1954، حيث كان عيسى الناعوري وقتذاك يصدر مجلته الشهرية القلم الجديد في عمان، وصدر منها اثنا عشر عدداً ما بين 1952أغسطس
1953.وكانت نازك الملائكة حسبما جاء في رسائلها ترجو عيسى الناعوري أن ينشر ما ترسله اليه باعتبار أنها "آراء عابرة غير منسَّقة، إنها كلام أو جزء من حوار بيني وبينك وليست مقالاً لتستأهل النشر ( ... ) وإذا أردت أن تحتفظ برسالتي تلك وبهذه فافعل، فقد يتاح لك نشرها بعد عشرين سنة، إن كان الجمهور آنذاك سيهتم بشيء مثلهما . إن انعدام الزمن وحده الذي يجعل للرسائل الشخصية قيمة" .
وها هي خمسون عاماً مرت على كتابة نازك الملائكة رسائلها لعيسى الناعوري . وفي رسائلها ترى نازك الملائكة أن النقد الأدبي فرع مُهمَل من فروع الأدب العربي، خصوصاً أن الجمهور يحمل مفاهيم مغلوطة عنه وينبغي تصحيحها. وقد أبدت نازك أن تشارك في مجلة عيسى الناعوري "القلم الجديد" في "جانب النقد الأدبي" باعتبار أنه "يوشك نقدنا المعاصر أن يكون محض اتجاهات ذاتية فيما أرى"، كما أرسلت قصيدتها "السلم المنهار" وصورة لها كي تُنشر مع القصيدة .
ونعرف من خلال رسالة نازك الملائكة التي كتبتها في السادس من فبراير 1953أنه قد وقع لها حادث منعها من الحركة وعرَّض "ساقها إلى جرح بليغ ورضوض مؤلمة ما زالت تعرقل نشاطي" . وأثارت متأسفة إلى أن الصحافة تعاني ضغط الحكومات العربية . وفي هذه الرسالة أيضاً نعرف أن الرقابة العراقية قد صادرت بعض اعداد مجلة "القلم الجديد"، كما أنها اعتادت مصادرة مجلات ثقافية عربية عديدة .
وتكشف نازك الملائكة في رسالتها هذه عن أن أمها شاعرة . وقالت إنها سترسل إلى المجلة قصيدة من شعرها في فلسطين "مئة وسبعون بيتاً" والواقع أن أكثر شعر والدتي قومي وطني اجتماعي، والذاتي منه يستند إلى أسس تخالف الأسس التي يستند اليها شعري مخالفة تامة". وتعترف أن "الأردن والعراق سيان في تأخر شؤون الصحافة والطباعة وأنت تعلم أننا هنا لم نستطع بعد امتلاك مجلة تعبِّر عن الحركة الأدبية في البلد، ومازالت الصحافة تدور في مجال يومي صرف" .
وفي رسالة رجت عدم نشرها حيث فيها ذكرت أن مظاهر الزينة الفخمة قد كلفت الحكومة العراقية ثلاثة ملايين دينار، وتتمنَّى أنه كان ينبغي صرف هذا المبلغ على الجماهير التي خرجت للاحتفال ب "تتويج الملك العزيز": "ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشنها البرد والحر وثَقَّفءنَاهم" .
وقد أكدت نازك الملائكة في إحدى رسائلها أنها تبغض الرسائل القصيرة، وأشارت إلى أن أمها ماتت مباشرة بشكل مفاجئ حيث لم يسبق الوفاة !! تمهيد ولا إنذار" وتقول "لقد تركت والدتي إنتاجاً شعرياً ضخماً، وكانت تنوي أن تطبع ديوانها الأول هذا الصيف ( 1953ميلادية) فأوقفت وفاتها المفاجئة كل شئ ( ... )
وإن أكثر شعر أمي كان في فلسطين فقد عاشت وماتت وهي تلهج بهذا الاسم . إن الحيرة لتملكني وأنا أُقلِّب مجموعاتها الشعرية المكدسة أمامي، وأنا أكتب هذا فهي كانت شاعرة فلسطين بحق، ولا أدري كيف يمكن أن يكون أي شاعر فلسطيني قد توجع لقضية بلاده الضائعة أكثر مما توجعت شاعرتنا الفقيدة ".
كما أشارت في رسالتها هذه إلى أن هناك "كتاباً لأبي سيصلك" مما يشير إلى أنها شاعرة تربت في بيت يمارس فيه الأب والأم الكتابة الإبداعية .
نازك الملائكة التي أصدرت ديوانها الأول "عاشقة الليل" عام 1947تصف المجتمع العربي بالجهل، لأن الصحف الأدبية فيه عادة ما تتوقف وتموت في عمر الزهور، "ألا ترى كيف ماتت مجلات المقتطف والرسالة والثقافة وعلم النفس ومن قبلها "الكاتب المصري" .
وتذكر صاحبة ديوان "شظايا ورماد" عام 1949أن في هذا الديوان "أول صوت سمعته البلاد في الدعوة إلى الشعر الحر، ( ... ) وأن الصحف العراقية لم تنشر بيت شعر واحداً على هذا الأسلوب قبل أن يصدر ديواني هذا وتثور الضجة حوله" .
ومن ثم صار شائعاً لدى الناس أن نازك الملائكة أول "شاعر" يكتب قصيدة من "الشعر الحر " - وهذا - للأسف - غير صحيح فقد اهتممت لسنوات طويلة بهذا الموضوع، فقد يمكن أن تكون كذلك في العراق فقط، لكن قد سبقها إلى هذا الشكل أسماء كثيرة كتبت قبلها بعشرات السنين ولعل الرجوع إلى مقالات أحمد عبد المعطي حجازي وغيره فيه إفادة كافية في هذا الموضوع كما ألقت النظر إلى كتاب مهم للناقد السعودي الدكتور عبدالله الغَذَّامِي أثار قضية زيادة "الشعر الحر" في الشعر العربي، وكانت آراؤه مستندة إلى وثائق تاريخية تدلَّ جميعها على أن الملائكة لم تكن الأولى أبداً .
وإذا كانت نازك الملائكة قد قالت في إحدى رسائلها "كنت لم اقرأ شيئاً يماثل أسلوبها (قصيدة الكوليرا التي تدعي بها الريادة) في الوزن في اللغة الغربية، وقد تبعت فيها أسلوب الشعر الإنجليزي مباشرة) . وهذا - للأسف الشديد - يعني أن نازك الملائكة لم تكن مطلعة بشكل جيد على التجارب المهمة التي سبقت قصيدتها "الكوليرا" خصوصاً ما كتبه: لويس عوض، علي أحمد باكثير، خليل شيبوب، وغيرهم، وكان ذلك قبلها عند بعضهم بعشرين عاماً على الأقل، ولا أدري لماذا
1953.وكانت نازك الملائكة حسبما جاء في رسائلها ترجو عيسى الناعوري أن ينشر ما ترسله اليه باعتبار أنها "آراء عابرة غير منسَّقة، إنها كلام أو جزء من حوار بيني وبينك وليست مقالاً لتستأهل النشر ( ... ) وإذا أردت أن تحتفظ برسالتي تلك وبهذه فافعل، فقد يتاح لك نشرها بعد عشرين سنة، إن كان الجمهور آنذاك سيهتم بشيء مثلهما . إن انعدام الزمن وحده الذي يجعل للرسائل الشخصية قيمة" .
وها هي خمسون عاماً مرت على كتابة نازك الملائكة رسائلها لعيسى الناعوري . وفي رسائلها ترى نازك الملائكة أن النقد الأدبي فرع مُهمَل من فروع الأدب العربي، خصوصاً أن الجمهور يحمل مفاهيم مغلوطة عنه وينبغي تصحيحها. وقد أبدت نازك أن تشارك في مجلة عيسى الناعوري "القلم الجديد" في "جانب النقد الأدبي" باعتبار أنه "يوشك نقدنا المعاصر أن يكون محض اتجاهات ذاتية فيما أرى"، كما أرسلت قصيدتها "السلم المنهار" وصورة لها كي تُنشر مع القصيدة .
ونعرف من خلال رسالة نازك الملائكة التي كتبتها في السادس من فبراير 1953أنه قد وقع لها حادث منعها من الحركة وعرَّض "ساقها إلى جرح بليغ ورضوض مؤلمة ما زالت تعرقل نشاطي" . وأثارت متأسفة إلى أن الصحافة تعاني ضغط الحكومات العربية . وفي هذه الرسالة أيضاً نعرف أن الرقابة العراقية قد صادرت بعض اعداد مجلة "القلم الجديد"، كما أنها اعتادت مصادرة مجلات ثقافية عربية عديدة .
وتكشف نازك الملائكة في رسالتها هذه عن أن أمها شاعرة . وقالت إنها سترسل إلى المجلة قصيدة من شعرها في فلسطين "مئة وسبعون بيتاً" والواقع أن أكثر شعر والدتي قومي وطني اجتماعي، والذاتي منه يستند إلى أسس تخالف الأسس التي يستند اليها شعري مخالفة تامة". وتعترف أن "الأردن والعراق سيان في تأخر شؤون الصحافة والطباعة وأنت تعلم أننا هنا لم نستطع بعد امتلاك مجلة تعبِّر عن الحركة الأدبية في البلد، ومازالت الصحافة تدور في مجال يومي صرف" .
وفي رسالة رجت عدم نشرها حيث فيها ذكرت أن مظاهر الزينة الفخمة قد كلفت الحكومة العراقية ثلاثة ملايين دينار، وتتمنَّى أنه كان ينبغي صرف هذا المبلغ على الجماهير التي خرجت للاحتفال ب "تتويج الملك العزيز": "ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشنها البرد والحر وثَقَّفءنَاهم" .
وقد أكدت نازك الملائكة في إحدى رسائلها أنها تبغض الرسائل القصيرة، وأشارت إلى أن أمها ماتت مباشرة بشكل مفاجئ حيث لم يسبق الوفاة !! تمهيد ولا إنذار" وتقول "لقد تركت والدتي إنتاجاً شعرياً ضخماً، وكانت تنوي أن تطبع ديوانها الأول هذا الصيف ( 1953ميلادية) فأوقفت وفاتها المفاجئة كل شئ ( ... )
وإن أكثر شعر أمي كان في فلسطين فقد عاشت وماتت وهي تلهج بهذا الاسم . إن الحيرة لتملكني وأنا أُقلِّب مجموعاتها الشعرية المكدسة أمامي، وأنا أكتب هذا فهي كانت شاعرة فلسطين بحق، ولا أدري كيف يمكن أن يكون أي شاعر فلسطيني قد توجع لقضية بلاده الضائعة أكثر مما توجعت شاعرتنا الفقيدة ".
كما أشارت في رسالتها هذه إلى أن هناك "كتاباً لأبي سيصلك" مما يشير إلى أنها شاعرة تربت في بيت يمارس فيه الأب والأم الكتابة الإبداعية .
نازك الملائكة التي أصدرت ديوانها الأول "عاشقة الليل" عام 1947تصف المجتمع العربي بالجهل، لأن الصحف الأدبية فيه عادة ما تتوقف وتموت في عمر الزهور، "ألا ترى كيف ماتت مجلات المقتطف والرسالة والثقافة وعلم النفس ومن قبلها "الكاتب المصري" .
وتذكر صاحبة ديوان "شظايا ورماد" عام 1949أن في هذا الديوان "أول صوت سمعته البلاد في الدعوة إلى الشعر الحر، ( ... ) وأن الصحف العراقية لم تنشر بيت شعر واحداً على هذا الأسلوب قبل أن يصدر ديواني هذا وتثور الضجة حوله" .
ومن ثم صار شائعاً لدى الناس أن نازك الملائكة أول "شاعر" يكتب قصيدة من "الشعر الحر " - وهذا - للأسف - غير صحيح فقد اهتممت لسنوات طويلة بهذا الموضوع، فقد يمكن أن تكون كذلك في العراق فقط، لكن قد سبقها إلى هذا الشكل أسماء كثيرة كتبت قبلها بعشرات السنين ولعل الرجوع إلى مقالات أحمد عبد المعطي حجازي وغيره فيه إفادة كافية في هذا الموضوع كما ألقت النظر إلى كتاب مهم للناقد السعودي الدكتور عبدالله الغَذَّامِي أثار قضية زيادة "الشعر الحر" في الشعر العربي، وكانت آراؤه مستندة إلى وثائق تاريخية تدلَّ جميعها على أن الملائكة لم تكن الأولى أبداً .
وإذا كانت نازك الملائكة قد قالت في إحدى رسائلها "كنت لم اقرأ شيئاً يماثل أسلوبها (قصيدة الكوليرا التي تدعي بها الريادة) في الوزن في اللغة الغربية، وقد تبعت فيها أسلوب الشعر الإنجليزي مباشرة) . وهذا - للأسف الشديد - يعني أن نازك الملائكة لم تكن مطلعة بشكل جيد على التجارب المهمة التي سبقت قصيدتها "الكوليرا" خصوصاً ما كتبه: لويس عوض، علي أحمد باكثير، خليل شيبوب، وغيرهم، وكان ذلك قبلها عند بعضهم بعشرين عاماً على الأقل، ولا أدري لماذا